وقد أبرز في بداية مداخلته مقصوده بالعقيدة الاشعرية المتمثل المنهج الذي سلكه الإمام الأشعري في صياغة عقيدة أهل السنة والجماعة، أو الطريقة التي اعتمدها هذا الإمام العظيم في بسط العقائد الدينية، أوتأييد مقالات أهل السنة والجماعة بححج كلامية وبراهين أصولية. أما أصول تلك العقائد، فهي ثابتة في القرآن الكريم، والسنة النبوية الصحيحة ابتداء.
وأوضح المحاضر أن اهتمام العلماء بالعقيدة الأشعرية وبالإمام الأشعري نفسه، يتناسب مع مركزه كرائد روحي لأغلب المسلمين اليوم ... وهو الذي نذر حياته لخدمة أشرف العلوم، علم أصول الدين، الباحث في ذات واجب الوجود وصفاته وأفعاله...
لقد حافظ الأشاعرة على جوهر التوحيد الإسلامي، ولم يخالطوا أصولهم بشيء من بدع الفرق الضالة. فقد أجمع هؤلاء: "على حدوث العالم، ووجود البارئ تعالى، وأنه لا خالق مبدع سوى الله تعالى، وأنه سبحانه قديم لم يزل ولا يزال، وأنه متصف بصفات الجلال من العلم والقدرة والإرادة ... وأنه سبحانه وتعالى لا شبيه له، ولا نظير، وأنه لا يحل في شيء، ولا هو محل للحوادث، وأنه ليس في جهة ولا حيز، ولا يجوز عليه الحركة والانتقال، وأنه يستحيل عليه الجهل والكذب، وسائر صفات النقص، وأنه لا شريك له، ولا ضد، ولا ند، وأنه مرئي للمؤمنين في الآخرة، وأنه لا يكون إلا ما يريد، وما أراده فهو كائن، وأنه غني عن خلقه، غير محتاج إلى شيء، وأنه لا يجب عليه شيء، بل إن أثاب فبفضله، وإن عاقب فبعدله، وأنه برئ من المقاصد والأغراض في فعله، لا يوصف فيما يفعل بجور ولا ظلم... وأجمعوا على المعاد والمجازاة والمحاسبة، وخلق الجنة والنار، وخلود نعيم أهل الجنة، وخلود عذاب أهل النار من الكفار، وجواز العفو عن المذنبين، وشفاعة الشافعين. وعلى جواز بعثة الرسل، والاعتراف بكل من بعث وأيد بالمعجزات من الرسل والأنبياء، من آدم إلى محمد r وأن أهل الرضوان وأهل بدر من أهل الجنة ... ووجوب نصب الإمام.([1][1])
إن حقيقة مذهب الإمام الأشعري والمضمون العقدي الذي يرتكز أنه :" لم يُبدع رأيا، ولم ينشئ مذهبا، وإنما هو مقرر لمذاهب السلف، مناضل عما كان عليه صحابة رسول الله r فالانتساب إليه إنما هو باعتبار أنه عقد على طريقة السلف نطاقا، وتمسك به وأقام الحجج والبراهين عليه، فصار المقتدي به في ذلك السالكُ سبيله في الدلائل، يسمى أشعريا... وقد ذكر شيخ الإسلام عز الدين بن عبد السلام أن عقيدته اجتمع عليها الشافعية والمالكية والحنفية والفضلاء من الحنابلة."([1][2])
ويقول القاضي عياض في ترجمته للإمام الأشعري:" ... وصنف لأهل السنة التصانيف، وأقام الحجج على إثبات السنة، وما نفاه أهل البدع من صفات الله تعالى، ورؤيته، وقدم كلامه، وقدرته، وأمور السمع الواردة من الصراط والميزان والشفاعة والحوض وفتنة القبر التي نفت المعتزلة، وغير ذلك من مذاهب أهل السنة والحديث، فأقام الحجج الواضحة عليها من الكتاب والسنة والدلائل الواضحة ودفع شبه المبتدعة..."([1][3])
إنما فعله الأمام الأشعري -رضي الله عنه- أنه " توسط بين الطرق، ونفى التشبيه، وأثبت الصفات المعنوية، وقصر التنزيه على ما قصره عليه السلف، وشهدت له الأدلة المخصصة لعمومه..."([1][4])
لقد أدرك علماء المغرب أن العقيدة الأشعرية في صيغتها النهائية ما هي إلا امتداد طبيعي لمذهب أهل السنة والجماعة، وأن الاقتداء بأئمة هذه العقيدة السنية يسمو بالمعتقد إلى تمثل روح المنهج القرآني في تقرير العقائد الدينية، ثم منهج السلف الصالح من الصحابة والتابعين وتابع التابعين في التلقي والفهم والتنزيل.
يقول العلامة أبو عبد الله سيدي محمد الطالب بن حمدون بن الحاج عن الإمام الأشعري: "... أنه أول من تصدى لتحرير عقائد أهل السنة وتخليصها ودفع الشكوك والشبه عنها وإبطال دعوى الخصوم، وجعل ذلك علما مفردا بالتدوين".([1][5])
أما تعميم العقيدة الأشعرية والتعريف بمفرداتها على نطاق واسع، وجعلها عقيدة تحظى بعناية خاصة في الأوساط الشعبية بكل ما في الكلمة من معنى، فيرجع الفضل في ذلك كله إلى الإمام المجاهد سيدي أبي محمد عبد الواحد بن أحمد بن علي بن عاشر (تـ 1040 هـ) الذي عمد إلى صناعة منظومة تتضمن جملة ما يجب اعتقاده ولا يجوز الجهل به، وهي بحق الصياغة المبسطة والنهائية للعقيدة الأشعرية بأدلتها العقلية والنقلية... وهذه المنظومة فضلا عن اشتمالها على أساسيات العقيدة الأشعرية كما انتهت عند المتأخرين، فإنها جاءت بنسق معرفي متكامل يتأسس على العقيدة أولا، ثم الفقه ثانيا، ثم التصوف السني الذي يعطي لهذه المعارف كلها نفسا متجددا ثالثا.
لقد أدرك علماء المغرب أيضا روح المنهج الذي وظفه الإمام الأشعري في دراسة قضايا أصول الدين، وتقرر لديهم أنه منهج يسير على هدي القرآن الكريم الذي يجعل حدا فاصلا بين الخالق والمخلوق، كما ينفي نفيا قاطعا أن يكون لله شبيه من مخلوقاته، لقوله سبحانه:" لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ [الشورى : 11] وهذه الآية الكريمة أصبحت عند أئمة المذهب الأشعري قاعدة أساسية في تنزيه الله تعالى تنزيها مطلقا ترد إليها جميع النصوص الدينية الموهمة للتشبيه...
ولقد ظل الإمام الأشعري وفيا لمذاهب أهل السنة والجماعة في تقرير العقائد الإيمانية، بل إن مصطلح الأشعرية أصبح مرادفا لمصطلح أهل السنة والجماعة، الذي يعبر عنه أيضا بمذهب أهل الحق، أو المثبتة... بل هو الصيغة النهائية لمذهب هؤلاء جميعا.
وفي هذا الصدد يقول القاضي عياض: "... فكذلك أبو الحسن، فأهل السنة من المشرق والمغرب بحججه يحتجون، وعلى منهاجه يذهبون، وقد أثنى عليه غير واجد منهم، وأثنوا على مذهبه وطريقه." ([1][6])
لقد اعتبر الإمام الأشعري جميع أهل القبلة مسلمين، لا يجوز تكفيرهم، وهذا أصل مهم، ثم أعن عن تصويب المجتهدين في الفروع الذي يعني عدم تكفير أحد من أهل القبلة أيضا، إضافة إلى مسألة تكافئ الأدلة التي تعني الاعتراف بقدر من الصواب في كل طرف من الطرفين المتقابلين، يصححه التوسط الذي هو أساس المذهب الأشعري يجعل المذهب الأشعري الذي يمثل قمة التسامح الديني بإعلانه عن هذه المبادئ الأساسية منسجما تماما مع حياتنا الدينية المعاصرة وينفعها أجل النفع.([1][7])
لقد عاشت الأمة الإسلامية تجربة تاريخية بعيدة كل البعد عن دعاوى التكفير والتبديع... وهذا راجع أساسا إلى سيادة الفكر الأشعري السني التنويري، وانتصار جمهور العلماء من المالكية والشافعية والحنفية وفضلاء الحنابلة بوصفهم شخصيات فاعلة في المجتمع إلى هذا الفكر، الذي يجعل من بين أهدافه الأساسية الحفاظ على حياة الإنسان المؤمن، والسمو به إلى مقام التكريم الإلهي.
([1][1] ) أبكار الأفكار، لسيف الدين الآمدي 5/96
([1][2]) طبقات الشافعية، 2 /254
([1][3]) ترتيب المدارك وتقريب المسالك لمعرفة أعلام مذهب مالك، للقاضي عياض، 5/24. تحقيق د. محمد بنشريفة، طبعة وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية.
([1][4]) مقدةمة ابن خلدون، 3/975 بتحقيق الدكتور عبد الواحد وافي.
([1][5]) حاشية العلامة محمد الطالب بن الحاج على ميارة، شرح المرشد المعين،ص: 116
([1][6]) ترتيب المدارك للقاضي عياض، 5/25.
([1][7]) المجدون في الإسلام، أمين الخولي،ص: 129